لقد كان المغرب من أبرز الأعضاء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963، إلا أنه سنة 1984 ونظرا لمجموعة من العوامل اضطر للانسحاب من هذه المنظمة القارية التي أصبحت تسمى منذ سنة 2002 منظمة الاتحاد الإفريقي، وقد كان انسحاب المغرب من المنظمة حينذاك كرد فعل وموقف سياسي على موافقة منظمة الوحدة الإفريقية بضغط من الجزائر على انضمام جبهة البوليساريو باسم الجمهورية العربية الصحراوية كعضو في المنظمة، إلا أن الأمور تغيرت بعد ذلك ليتقدم المغرب سنة 2016 بطلب للانضمام للاتحاد الافريقي، تمت الموافقة عليه خلال الاجتماع المنعقد بأديس أبابا بتاريخ 30 يناير 2017، لتنتهي فترة غياب المغرب عن المنتظم الافريقي، و التي تجاوزت الثلاثين سنة، الأمر الذي يفرض على الباحث تساؤلات تتعلق بالمتغيرات التي حدثت خلال هذه الفترة لتؤدي لتغير المواقف، فما هو السياق أو السياقات الذي يمكن أن نورد فيها مسار العلاقات المغربية الافريقية الذي توج بعودة المغرب للمنتظم الافريقي؟ ما هي رهانات المغرب من هذه العودة؟ و ما الذي تنتظره افريقيا من المغرب؟ و ماهي الآفاق و التحديات التي يطرحها هذا الانضمام؟ و يبدو منذ الوهلة الأولى أن مناقشة هذه التساؤلات تمر من مرحلتين أساسيتين: الأولى تتمثل في فهم السياق العام و الخاص لهذا الانضمام قبل طرح التساؤلات الخاصة بآفاق و تحديات العلاقات المغربية الافريقية.
أولا: سياقات انضمام المغرب للاتحاد الافريقي
لا يمكن أن نتناول مسألة العلاقات المغربية الافريقية بمعزل الظروف التي يعيشها العالم، والتي تدفع في اتجاه التعاون و الاندماج الاقتصادي وتجعله أمرا ضروريا، إلا أن هذا لا يخفي الدوافع الخاصة للمغرب في علاقاته مع افريقيا، سواء تلك المرتبطة بقضية الصحراء أو المتعلقة بالمصالح الاقتصادية و الدور السياسي و الأمني للمغرب في القارة الافريقية، أو من خلال فهم هذا الانضمام للاتحاد الافريقي كجزء من توجه المغرب لتنويع شراكاته الاقتصادية و تحالفاته السياسية.
1- السياق العام:
إن الهدف من الحديث عن السياق العام لانضمام المغرب للاتحاد الافريقي يكمن في إبراز المؤشرات التي تبين الاختلاف الجوهري بين الظروف التي رافقت انسحاب المغرب من المنتظم الافريقي، و التي تجعل من التكتل و التحالف ضروريا، فعلى المستوى الاقتصادي يمكن الحديث عن الأزمات الاقتصادية التي أفرزت الحاجة إلى التكتل و تنويع الشركاء الاقتصاديين، فمع تأثيرات العولمة و تحرير التجارة العالمية كان لزاما على الدول التجمع في تكتلات إقليمية ونورد هنا نموذج الاتحاد الأوربي، حيث يتفق الجميع على خاصية أساسية تميز الاقتصاد العالمي وهي قدرته على تجاوز الحدود الوطنية وتحدي قدرة الدولة على التحكم، وذلك من خلال فاعلين كالشركات المتعددة الجنسيات وصندوق النقد الدولي، وآليات كالاستثمارات المباشرة الأجنبية، وحركية رؤوس الأموال، وقد ساعد في هذا التطور الذي عرفته وسائل النقل، وثورة الاتصال والمعلومات، وهو ما عزز اندماج الاقتصاديات الوطنية في الاقتصاد العالمي، هذا الاندماج إن كانت له إيجابيات على مستوى التنمية الاقتصادية، فإن له سلبيات كتأثر هذه الاقتصاديات بالأزمات التي يعرفها النظام الاقتصادي العالمي.
فالتكتل إذن هو نوع من الاستجابة لعدم قدرة الدولة على التجاوب مع المشاكل العابرة للحدود ضمن مقاربة ضيقة للسيادة الوطنية، و يمكن هنا أن نورد أمثلة عن المشاكل التي تعاني منها القارة الافريقية، وهي مشاكل تعوق عملية التنمية كالفقر و الهجرة و الصحة و المشاكل البيئية، وهي مشاكل كان المغرب دائما يردد بأن حلها لا يمكن أن يكون إلا في إطار التعاون الدولي.
لقد أدى التطور في وسائل النقل إلى تضاعف التدفقات البشرية عبر الحدود، مما خلق مجموعة من المشاكل، من بينها عجز الدول عن حماية صحة مواطنيها، فإذا كان مرض الإيدز منحدرا من إفريقيا، فإن الحالات الأولى للإصابة تم تشخيصها في لوس أنجلس، أما اليوم فأكثر من مليوني شخص توفوا نتيجة لهذا المرض، فقد أصبحت الأمراض تنتقل عبر العالم بنفس السهولة التي ينتقل بها الأفراد، كما حدث بالنسبة لمرض أنفلونزا الخنازير و جنون البقر والحمى القلاعية ومرض سارس، فالأمراض المعدية لا تحترم الحدود السياسية والقضاء عليها لن يتم إلا عبر تنسيق دولي فعال . وهو ما ينطبق على مشكلة الفقر التي تتأثر بالاعتماد المتبادل ، مما يجعلها مشكلة تهم العالم بأكمله.
أشار تقرير صادر سنة 1992 عن الأكاديمية الوطنية للعلوم بأمريكا، والجمعية الملكية البريطانية إلى أنه في حالة استمرار التطور الديموغرافي والأنشطة البشرية على سطح الأرض على حالها، فإن العلم والتكنولوجيا لن يكونا بلا شك قادرين على تجنب تدمير البيئة أو الإفقار المتنامي لجزء كبير من الكوكب . وأمام نمو الاقتصاد العالمي الذي تضاعف خمس مرات منذ 1950، وتزايد سكان العالم، فإن قدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد والتكيف تتأثر بشدة، كما أن استعمال الطاقة تزايد بوتيرة أكبر من التطور الديموغرافي والنمو الاقتصادي منذ 1970، وازدادت نسبة كبيرة من سكان الكوكب فقرا، فحسب إحصائيات البنك العالمي فقد انخفض الدخل الحقيقي للفرد في 49 دولة خلال سنوات الثمانينات ، ولازالت هذه الوضعية تزداد تدهورا حيث إن 1.2 مليار من بين 6.6 مليار من سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر(بأقل من دولار واحد في اليوم)، ونصف هؤلاء من الأطفال، وبين 20% و 50 % من سكان العالم يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، وهذه المشكلة لاتهم الدول الفقيرة فقط، بل تعني الدول الغنية أيضا، فنجد مثلا أن 32 مليونا من سكان الولايات المتحدة الأمريكية أي 12% يعيشون تحت خط الفقر. وهذا الواقع أدى إلى انتباه العلم لضرورة العمل المشترك في هذا المجال ، ففي شهر شتنبر من سنة 2000 قامت 189 دولة عضوا في الأمم المتحدة بتبني أهداف الألفية للتنمية خلال مؤتمر قمة منعقدة بنيويورك، وقد شملت ثمانية أهداف لتحسين مؤشرات التنمية من أهمها تخفيض عدد الفقراء إلى النصف في أفق عام 2015 ، وينبع هذا من اعتبار الفقر مشكلة شمولية (Global) تهم جميع الدول، و من كونها متنقلة تصدر آثارها إلى خارج حدود الدولة.
إن ارتفاع موجات الهجرة إلى بلدان الشمال، يعني أنه حتى الدول الأكثر غنى ليست بعيدة عن المشاكل التي تعانيها الدول الأكثر فقرا، ونتيجة لهذا قامت الدول المستقبلة للهجرة بمجموعة من التدابير للحد منها وتقنينها، وهي تدابير إما قانونية أو أمنية، لكنها أثبتت فشلها، مما دفعها إلى البحث عن مقاربة أخرى تشترك في تنفيذها الدول المستقبلة والدول المصدرة للهجرة و دول العبور في إطار التعاون الدولي و الإقليمي، تنطلق من تفهم للعلاقة بين الهجرة و العولمة و التنمية، و من كون التنمية المستدامة هي الحل الحقيقي لهذه المشاكل، وهذه التدابير -وإن لم تصل إلى المستوى المطلوب نظرا لمجموعة من العوامل- حققت نتائج إيجابية نسبيا، وأثبتت فعالية العمل المشترك، حيث تنامي الوعي بأن الحل لهذه المشاكل يتجلى في العمل على تقليص الفوارق بين دول الشمال والجنوب ، إلا أن هذه التنمية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب البيئي وإلا فإنها لن تحقق أبعادها الاجتماعية والإنسانية، وستكون على حساب الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة والنظام البيئي على العموم، وهو ما يطلق عليه إشكالية التنمية المستدامة.
إلى جانب هذه المشاكل عرفت السنوات الأخيرة تنامي الاهتمام بالمسائل البيئية، ففي عقد الستينات من القرن العشرين أثيرت مسألة الأمطار الحمضية التي أصابت السويد، فلوثت مصادر المياه وأثرت على الغابات، وكانت هذه بداية الاهتمام بمسألة حماية البيئة على الصعيد العالمي، وقد اتضح في ما بعد أن سبب هذه الكارثة هو الانبعاثات الغازية لمصانع ومحطات في أمريكا الشمالية، مما أعطى للمشكل بعدا عالميا يتجاوز الحدود والجغرافيا، وتصاعد بعد ذلك اهتمام الرأي العام الدولي بالمسألة البيئية، وفي عام 1972 عقد مؤتمر ستوكهولم العالمي للبيئة، وعقدت قبله لقاءات تمهيدية، أبرزت التعارض في وجهات نظر البلدان المصنعة والبلدان النامية، بين دول قطعت أشواطا كبيرة في طريق التصنيع وأخذت تلمس المخاطر البيئية ودول تخطو خطواتها الأولى في هذا الميدان، وتجعل التنمية الصناعية في صلب أولوياتها ، لكن الأمر اختلف بعد ذلك فقد توصل المؤتمرون إلى الربط بين التنمية والبشر والبيئة والموارد، فاستقر مفهوم أن التنمية لا يمكن تحقيقها بعيدا عن قضايا البيئة، حيث امتد الحديث عن تلوث الماء والهواء ليشمل كذلك استغلال مصادر الثروة الطبيعية وحمايتها. وهكذا حدث اليوم تغير في مفهوم البيئة، فلم يعد الأم مقتصرا على تلوث الهواء أو المياه، بل أصبح الأمر يتعلق باستمرار الحياة نفسها في هذه البيئة، بشكل يحقق مستوى مقبولا من الحاجات الأساسية و الرفاه الاجتماعي .
آخر عنصر يمكن التركيز عليه في حديثنا عن السياق العام لانضمام المغرب للاتحاد الإفريقي يتجلى في المخاطر الأمنية التي تعيشها افريقيا و المتعلقة بالإرهاب و الجريمة المنظمة و التي كثيرا ما كانت ذرائع للتدخلات الأجنبية في القارة الأوربية، كما أن المغرب لعب فيها دورا مهما سواء من خلال العضوية في البعثات العسكرية الأممية بدول افريقية، أو من خلال التعاون الأمن مع مجموعة من الدول الافريقية.
2-السياق الخاص
إن أهم عنصر يمكن استحضاره يتجلى في البعد التاريخي للعلاقات المغربية الافريقية، بحيث تثبت الدراسات التاريخية ، فروابط المغرب مع افريقيا جنوب الصحراء تشكل تراثا متعدد الأوجه، متجذرا في عمق التاريخ، كما تؤكد ذلك العديد من الوثائق والمخطوطات التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى و قد عرفت هذه العلاقات حقبتها الذهبية بعد انتشار الإسلام في شمال افريقيا. حيث حرص سلاطين المغرب على الحفاظ على علاقات تجارية وثقافية وثيقة مع افريقيا جنوب الصحراء، التي كانت تسمى آنذاك ب "بلاد السودان "، مؤكدة أن هذه العلاقات التجارية ساهمت ليس فقط في ازدهار المغرب وغرب أفريقيا ، بل وكان لها دور بارز أيضا في تقوية الروابط والاواصر الثقافية والروحية و السياسية في هذا الجزء من القارة الأفريقية. و يستنتج من هذا الحضور الدائم للمغرب في إفريقيا و الذي استمر حتى بعد خروج المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية (أمثلة: المساهمة في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، الهجرة، الأمن العلاقات الاقتصادية...). و يمكن أن نضيف للبعد التاريخي العامل الجغرافي حيث يحتل المغرب وضعا جيوستراتيجيا يحمل الكثير من الامتيازات، فهو يقع في ملتقى الطرق بين افريقيا جنوب الصحراء و العالم العربي و أوربا، فيما تشكل الحدود مصدر قلق سواء مع إسبانيا أو مع الجزائر أو ما يتعلق بمسألة الصحراء المغربية أو ترسيم الحدود البحرية ...
إضافة لهذين العنصرين نورد مجموعة من العوامل التي ارتبطت بالفترة الراهنة و ساعدت على التحولات في العلاقت المغربية الافريقية نورد منها بإيجاز:
ثانيا: الآفاق و الرهانات
الحديث عن الرهانات و الآفاق يمكن أن يتم من خلال محورين:
1- تحديات و مستقبل التكامل الإفريقي:
إن الحديث عن علاقات المغرب بإفريقيا لا ينفصل عن الحديث عن مستقبل و آفاق الاتحاد الإفريقي الذي عاد المغرب إلى عضويته، و هو المستقبل الذي يمكن أن نقتصر فيه على مقاربتين أساسيتين:
المقاربة الوظيفية:
فمنظر المنهج الوظيفي البريطاني david mitrany يرى بأن حاجات الشعوب يجب أن تكون محرك الدول، ومن هنا يبرز السؤال كيف ستتمكن افريقيا و ضمنها المغرب من تحقيق التكامل من خلال مؤسسات متخصصة عابرة للأوطان تحقق حاجيات و متطلبات الشعوب على جميع الأصعدة، و بالتالي خلق تكامل للمصالح يتجاوز الحدود السياسية و بالتالي الخلافات السياسية،(النموذج الأوربي فمنظمة الفحم و الحديد و التي كانت نواة التكامل الأوربي جاءت غذاة الحرب ع2 و كانت و نعلم جميعا كيف استطاع هذا الاندماج أن يخلق مصالح مشتركة لتجاوز الخلافات و منع احتمالات الحرب)
و هذا الأمر لم يستطع الاتحاد الافريقي تحقيقه و ذلك لعدم وضعه لآليات اتحادية متخصصة تتمتع بنوع من الاستقلال عن السلطات السياسية، فالصيغة الحالية للاتحاد الافريقي هي صيغة تعاون و تنسيق للسياسات أكثر منها صيغة للاندماج.
فهناك اتفاق بين جل الباحثين و الخبراء في الشأن الإفريقي على أن التكامل الإفريقي هو سبيل افريقيا للخروج من مشاكلها (الفقر الأمراض الإرهاب الجريمة المنظمة..)
مقاربة الاندماج السياسي:
إن أهم أفكار التكامل الإفريقي تمت صياغتها سنة 1961 بالمغرب خلال مؤتمر الدار البيضاء على يد ما سمي حينها بمجموعة الدار البيضاء التي ضمت زعماء دول كالمغرب و مالي و غينيا و ليبيا و ممثلي جبهة التحرير الجزائرية و الفكرة كانت أن التكامل يمر عبر الوحدة السياسية، و هو الأمر الذي أثبت التاريخ عدم قدرته على التحقق، و خاصة بعد استقلال هذه الدول الافريقية و التي أصبحت لها اجندات و أولويات أخرى ، و قد تمت استعادة هذا الخطاب في سنوات التسعينيات (معمر القذافي. تامو مبيكي الفا عمر كوناري..) و هو التوجه الذي أدى إلى إحداث الاتحاد الافريقي ليخلف من. الو. الافريقية ،
و الان بات واضحا أن أي تكامل او وحدة لن يمكن أن يقوم إلا على أساس قيم التنمية المستدامة و الديموقراطية و حقوق الانسان..
فالتكامل الافريقي اذن تتقاسمه اطروحتان:
2- تحديات انضمام المغربي إلى الاتحاد الافريقي:
بانتقالنا للمحور الثاني المتعلق بالرهانات التي على المغرب في علاقاته بافريقيا و تواجده بالاتحاد الافريقي ربحها، يمكن أن نركز على مجموعة من التحديات أهمها:
في هذا الإطار تكمن أهمية الآلة الدبلوماسية و خاصة الدبلوماسية الموازية ودور المجتمع المدني الثقافة البحث العلمي التعاون العلمي الدبلوماسية الموازية
هل يستطيع المغرب ربح هذه الرهانات؟
مدي قدرته على استثمار المحاور الجديدة لعلاقاته الافريقية في الحصول على مكاسب سياسية؟
هل سيتم ذلك عبر المسار السياسي؟
أم عبر المسار المتعدد الأبعاد، بحيث يتمكن من خلق مصالح تتجاوز الخلافات السياسية و المقاربة التقليدية للسيادة الوطنية؟
و الخلاصة أن الربط المباشر لتوجه المغرب نحو افريقيا بقضية الصحراء هو ربط مجانب للصواب و يستنتج حتى من العديد من الخطابات الملكية ، فعودة المغرب للاتحاد الافريقي تأتي في سياق دينامية تتعلق بتموقع المغرب على المستوى الإقليمي، و هو الأمر الذي ستكون له آثار على المدى المتوسط و البعيد على القضية الوطنية.
النتائج:
و أخيرا فإن الانفتاح الذي عرفته العلاقات الدولية للمغرب كان نتاجا للانفتاح الداخلي على مستوى إرساء المؤسسات الديمقراطية و تعزيز المكتسبات الحقوقية، و الإصلاحات الدستورية و اللامركزية و المشاريع الكبرى و الطاقات المتجددة... الشيء الذي عزز صورة المغرب كنموذج للانفتاح والتحول الديمقراطي، وسهل رجوعه إلى المنتظم الافريقي.